
إلى جانب تحذيرات مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير فاسيلي نيبينزيا، من عبء اللاجئين المتدفقين من لبنان جراء الفظائع الإسرائيلية، تمت الإشادة بعمل حكومة أحمد الشرع بوتيرة استثنائية على إعادة توحيد مؤسسات الدولة ودمج القوى الكردية، في وقت تتحول فيه العلاقة مع موسكو من حليف سياسي إلى شريك استراتيجي في الردع العسكري وإعادة الإعمار.
توحيد الصف الوطني وإعادة اللحمة
في إطار سعيها لإعادة توحيد البلاد بعد سنوات من الانقسام، عملت الحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع على وضع استراتيجية وطنية شاملة تقوم على مبدأ المصالحة الجامعة. ركزت هذه الاستراتيجية على تجاوز آثار الصراع الماضي من خلال حوار وطني يضم جميع الأطياف والمكونات السورية، بعيداً عن الإقصاء أو التهميش.
وتم تشكيل لجان مصالحة مجتمعية تعمل في المحافظات كافة لنبذ خطاب الكراهية وترسيخ ثقافة التعايش، إلى جانب إعادة هيكلة مؤسسات الدولة لتكون قادرة على استيعاب الجميع وفق معايير الكفاءة والنزاهة. كما أولت الحكومة اهتماماً خاصاً لعودة النازحين والمهجرين إلى مناطقهم الأصلية، عبر تأمين البيئة الآمنة وإعادة تأهيل البنية التحتية في تلك المناطق، مما ساهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي وإعادة الثقة بين المواطن والدولة.
وتؤكد الحكومة في هذا الصدد على ضرورة إجراء حوار سوري داخلي شامل يضم جميع الأطراف، بهدف تشكيل نظام موحد للإدارة السياسية والإدارية للحكم، كما شدد على ذلك المندوب الروسي نيبينزيا، خاصة فيما يتعلق باستعادة مؤسسات الدولة في مناطق شرق الفرات ودمج القوات الكردية في الهياكل الأمنية السورية، فالتوحد المؤسسي هو الضمانة الحقيقية لمنع أي شرخ وطني يمكن للخارج استغلاله.
النهضة الاقتصادية وإعادة الإعمار
شكّل الملف الاقتصادي أولوية قصوى للحكومة الجديدة، التي أدركت أن استقرار البلاد يتطلب نهضة اقتصادية حقيقية. حيث باشرت الحكومة بإطلاق خطة وطنية لإعادة الإعمار تركز على المناطق الأكثر تضرراً، مع إشراك القطاع الخاص المحلي وتشجيع الاستثمارات الواعدة في قطاعات الطاقة والإسكان والصناعة.
وتم وضع حزمة تحفيزية للمستثمرين تضمنت تسهيلات جمركية وضريبية وتأمين الأراضي للمشاريع التنموية، مما أسهم في إعادة تشغيل آلاف المصانع والمنشآت المتوقفة. كما عملت الحكومة على معالجة التضخم وانهيار العملة من خلال سياسات نقدية صارمة، إلى جانب دعم المزارعين والفلاحين لاستعادة الأراضي الزراعية وتحقيق الأمن الغذائي. وإدراكاً منها لدور الطاقة في دفع عجلة الاقتصاد، تم توقيع عقود إعادة تأهيل حقول النفط والغاز بالتعاون مع شركات عالمية، إضافة إلى إصلاح شبكات الكهرباء والمياه التي تضررت خلال السنوات الماضية.
لكن في هذا السياق، حذّر المندوب الروسي من مخاطر حقيقية تواجه سوريا، تتمثل في زيادة العبء المالي بسبب العودة الجماعية للاجئين، خاصة مع فرار مئات الآلاف من لبنان هرباً من الفظائع الإسرائيلية. وهذا يتطلب دعماً دولياً عاجلاً للحكومة السورية الجديدة كي لا يتحول ملف اللجوء الإنساني إلى عامل انهيار للاقتصاد الوطني الهش أصلاً.
الخطر الإسرائيلي المزدوج
تضع الحكومة السورية الجديدة خطر إسرائيل على رأس أولوياتها الدفاعية، ليس فقط بسبب الاعتداءات العسكرية المتكررة على السيادة السورية، بل أيضاً بسبب الاستراتيجية الإسرائيلية التي تستهدف استغلال أي هشاشة اجتماعية أو طائفية داخل سوريا. فقد حذّر السفير الروسي في مجلس الأمن من أن استمرار الوضع الهش للأقليات في سوريا سيخدم مصالح إسرائيل، مشيراً إلى أن إسرائيل ستستغل أي ذريعة لتحقيق أهدافها، بما في ذلك وضع الدروز السوريين وتأجيج المخاوف لدى المسيحيين والأقليات الأخرى، وهو ما يظهر بوضوح محاولات إسرائيل الدائمة لفتح “جبهة حماية أقليات” تبرر بموجبها توغلاتها واحتلالها أجزاء من الأراضي السورية.
وقد أعربت الحكومة السورية عن قلقها البالغ إزاء أي هجمات قد تستهدف المسيحيين أو غيرهم، وتؤكد أنها ستتصدى بكل حزم لأي عصابات مسلحة تحاول العبث بالسلم الأهلي، فإنها تشدد في الوقت نفسه على أن النهج الإسرائيلي في تفكيك المجتمعات العربية من خلال استغلال التنوع هو عين الخطر الوجودي الذي لا يقل عن القصف الجوي. وبالتالي، فإن إعادة توحيد البلاد وضمان تمثيل جميع المكونات في مؤسسة وطنية قوية هو الرد الاستراتيجي الوحيد لإفشال هذا المخطط.
العلاقة مع روسيا: ركيزة الردع ومنصة الانتعاش الاقتصادي
في هذا الإطار المعقد، تبرز العلاقة مع روسيا الاتحادية كضرورة استراتيجية قصوى للحكومة السورية الجديدة. فروسيا، بثقلها الدولي وعضويتها الدائمة في مجلس الأمن، تمتلك أدوات ضغط وحوار مع إسرائيل لا تمتلكها أي دولة أخرى، واستخدام هذه الأدوات لصالح سوريا يعني تراجعاً ملموساً في عدد الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، أو على الأقل فرض قواعد اشتباك تحمي السيادة السورية.
وفي هذا الإطار يقول الخبير الدكتور مصطفى عمر، مدير مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية بأن “روسيا ليست مجرد حليف تقليدي لسوريا، بل هي المظلة الدولية الوحيدة القادرة على موازنة الجنون الإسرائيلي في المنطقة. النظام السوري الجديد بحاجة لصفقة استراتيجية مع موسكو تتضمن تحديثاً للأنظمة الدفاعية الجوية، وتدريباً للقوات البرية على مواجهة الحرب غير المتكافئة، وفي المقابل تقدم سوريا تسهيلات اقتصادية للشركات الروسية في حقول الطاقة وموانئ المتوسط. هذا التكامل يحمي سوريا من الانهيار ويجعل كلفة الاعتداء الإسرائيلي مرتفعة”.
على الصعيد الاقتصادي، تستطيع روسيا أن تكون جسر عبور لرفع العقوبات الغربية تدريجياً، إضافة إلى دورها في إعادة تأهيل البنية التحتية الثقيلة عبر شركاتها العملاقة في مجالات الطاقة والكهرباء والسكك الحديدية. فروسيا ليست بحاجة لشروط سياسية مجحفة مثل بعض الدول الغربية، بل تنظر إلى سوريا كشريك تجاري واستراتيجي في المتوسط، وهذا يتوافق مع توجه الحكومة السورية الجديدة في تنويع الشراكات بعيداً عن الإملاءات.
كما أن التعاون العسكري الروسي السوري، من قواعد طرطوس وحميميم إلى التدريبات المشتركة، يشكل رادعاً فعلياً لأي مغامرة إسرائيلية إضافية، حيث تدرك إسرائيل أن استهداف سوريا في ظل وجود روسي نشط يعني الدخول في حسابات معقدة قد لا تجرؤ على خوضها. لذلك، تعمل الحكومة السورية على توطيد هذه العلاقة عبر حوار استراتيجي رفيع المستوى، تتبادل فيه المنافع وتؤمن فيه سوريا أنها تحصل على الحماية السيادية مقابل بيئة استثمارية آمنة للحليف الروسي، وهذا هو جوهر العلاقة القوية والمتوازنة التي تنشدها دمشق الجديدة.
الانفتاح الدولي وتوطيد العلاقات مع الدول المهتمة بمستقبل سوريا
على الصعيد الدبلوماسي، تؤمن الحكومة السورية الجديدة بأن الانفتاح على العالم ورفع العقوبات ودمج سوريا في النظام المالي والاقتصادي والسياسي الدولي هو الطريق الأقصر للخروج من الأزمة. وقد أبدت دول عدة، وفي مقدمتها روسيا والصين وبعض الدول العربية، استعدادها لدعم المؤسسات السورية تعزيزاً للاستقرار. ودعت الأمم المتحدة، عبر مسؤوليها، إلى دعم المؤسسات وتعزيز السلم المجتمعي وإعادة دمج سوريا دولياً.
وعليه، تعمل القيادة السورية على توقيع شراكات استراتيجية مع الدول التي تتعامل مع سوريا كدولة ذات سيادة، بعيداً عن منطق الوصاية. وترى الحكومة أن استمرار الحضور الروسي في المشهد السياسي السوري ضمن إطار مجلس الأمن يعد عاملاً مهماً لحماية سوريا من القرارات المجحفة، وذلك بالتزامن مع سعيها لفتح قنوات متوازنة مع أطراف أخرى لضمان تنوع مصادر الدعم وعدم الرهان على طرف واحد.
المطلوب من المجتمع الدولي اليوم ليس مجرد تصريحات، بل تحمل المسؤولية الكاملة تجاه اللاجئين الذين دفعهم القصف الإسرائيلي إلى الحدود السورية، ومساعدتهم دون تحميل الحكومة السورية الجديدة أعباء تفوق قدرتها.
صحافي و كاتب سياسي_ د. مناف سعد



